Classical literary

تَعْلِيمُ الْمُتَعَلِّمِ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ

Ta‘līm al-Muta‘allim Ṭarīq al-Ta‘allum
by Burhān al-Islām al-Zarnūjī
A reader's edition for students of classical Arabic.
Sentence-by-sentence vocalised text · vocabulary · grammar · rhetoric · teacher's notes.
Source: Al-Dār al-Sūdāniyya li'l-Kutub, Khartoum, 1st ed. 1425 AH / 2004 CE.

How to use

The Arabic is shown by default. Try to read it.

When you're ready, click Translation, Vocabulary, or Notes beneath each sentence to reveal them — one at a time, or all at once.

Use the Display toggles in the sidebar to switch between Arabic only, + Translation, and Full study for the whole document.

The yellow box at the foot of each page holds interdisciplinary insights for classroom teachers — click to expand.

§5.1
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
§5.2
المُقَدِّمَةُ.
§5.3
الحَمْدُ لِلهِ الَّذِي فَضَّلَ بَنِي آدَمَ بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ عَلَى جَمِيعِ العَالَمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ العَرَبِ وَالعَجَمِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ يَنَابِيعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ.
§5.4
وَبَعْدُ:
§5.5
فَلَمَّا رَأَيْتُ كَثِيرًا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ فِي زَمَانِنَا يَجِدُّونَ إِلَى العِلْمِ وَلَا يَصِلُونَ، وَمِنْ مَنَافِعِهِ وَثَمَرَاتِهِ ـ وَهِيَ العَمَلُ بِهِ وَالنَّشْرُ ـ يُحْرَمُونَ، لِمَا أَنَّهُمْ أَخْطَأُوا طَرِيقَهُ وَتَرَكُوا شَرَائِطَهُ، وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ ضَلَّ، وَلَا يَنَالُ المَقْصُودَ قَلَّ أَوْ جَلَّ، فَأَرَدْتُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُبَيِّنَ لَهُمْ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ عَلَى مَا رَأَيْتُ فِي الكُتُبِ وَسَمِعْتُ مِنْ أَسَاتِذَتِي أُولِي العِلْمِ وَالحِكَمِ، رَجَاءَ الدُّعَاءِ لِي مِنَ الرَّاغِبِينَ فِيهِ المُخْلِصِينَ، بِالفَوْزِ وَالخَلَاصِ فِي يَوْمِ الدِّينِ، بَعْدَمَا اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِيهِ، وَسَمَّيْتُهُ:
§5.6
«تَعْلِيمُ المُتَعَلِّمِ طَرِيقَ التَّعَلُّمِ».
§6.1
وَجَعَلْتُهُ فُصُولًا:
§6.2
١ ـ فَصْلٌ: فِي مَاهِيَّةِ العِلْمِ وَالفِقْهِ وَفَضْلِهِ.
§6.3
٢ ـ فَصْلٌ: فِي النِّيَّةِ فِي حَالِ التَّعَلُّمِ.
§6.4
٣ ـ فَصْلٌ: فِي اخْتِيَارِ العِلْمِ وَالأُسْتَاذِ وَالشَّرِيكِ وَالثَّبَاتِ.
§6.5
٤ ـ فَصْلٌ: فِي تَعْظِيمِ العِلْمِ وَأَهْلِهِ. ٥ ـ فَصْلٌ: فِي الجِدِّ وَالمُوَاظَبَةِ وَالهِمَّةِ.
§6.6
٦ ـ فَصْلٌ: فِي بِدَايَةِ السَّبَقِ وَقَدْرِهِ وَتَرْتِيبِهِ. ٧ ـ فَصْلٌ: فِي التَّوَكُّلِ. ٨ ـ فَصْلٌ: فِي وَقْتِ التَّحْصِيلِ.
§6.7
٩ ـ فَصْلٌ: فِي الشَّفَقَةِ وَالنَّصِيحَةِ. ١٠ ـ فَصْلٌ: فِي الاِسْتِفَادَةِ وَاقْتِبَاسِ الأَدَبِ.
§6.8
١١ ـ فَصْلٌ: فِي الوَرَعِ فِي حَالَةِ التَّعَلُّمِ. ١٢ ـ فَصْلٌ: فِيمَا يُورِثُ الحِفْظَ، وَفِيمَا يُورِثُ النِّسْيَانَ.
§7.1
١٣ ـ فَصْلٌ: فِيمَا يَجْلِبُ الرِّزْقَ، وَفِيمَا يَمْنَعُ، وَمَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَمَا يَنْقُصُ.
§7.2
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
§8.1
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ».
§8.2
اعْلَمْ: بِأَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، طَلَبُ كُلِّ عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ طَلَبُ عِلْمِ الحَالِ كَمَا يُقَالُ: «وَأَفْضَلُ العِلْمِ عِلْمُ الحَالِ، وَأَفْضَلُ العَمَلِ حِفْظُ الحَالِ».
§8.3
وَيُفْتَرَضُ عَلَى المُسْلِمِ طَلَبُ مَا يَقَعُ لَهُ فِي حَالِهِ، فِي أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ مَا يَقَعُ لَهُ فِي صَلَاتِهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّي بِهِ فَرْضَ الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّي بِهِ الوَاجِبَ؛ لِأَنَّ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى إِقَامَةِ الوَاجِبِ يَكُونُ وَاجِبًا.
§8.4
وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ؛ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَالحَجِّ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ فِي البُيُوعِ إِنْ كَانَ يَتَّجِرُ.
§9.1
قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَابًا فِي الزُّهْدِ؟ قَالَ: قَدْ صَنَّفْتُ كِتَابًا فِي البُيُوعِ، يَعْنِي: الزَّاهِدُ مَنْ يَحْتَرِزُ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ فِي التِّجَارَاتِ.
§9.2
وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ المُعَامَلَاتِ وَالحِرَفِ، وَكُلُّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ التَّحَرُّزِ عَنِ الحَرَامِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ أَحْوَالِ القَلْبِ مِنَ التَّوَكُّلِ وَالإِنَابَةِ وَالخَشْيَةِ وَالرِّضَى، فَإِنَّهُ وَاقِعٌ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ.
§9.3
وَشَرَفُ العِلْمِ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ إِذْ هُوَ المُخْتَصُّ بِالإِنْسَانِيَّةِ لِأَنَّ جَمِيعَ الخِصَالِ سِوَى العِلْمِ؛ يَشْتَرِكُ فِيهَا الإِنْسَانُ وَسَائِرُ الحَيَوَانَاتِ: كَالشَّجَاعَةِ وَالجَرَاءَةِ وَالقُوَّةِ وَالجُودِ وَالشَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا سِوَى العِلْمِ.
§9.4
وَبِهِ أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى المَلَائِكَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ.
§9.5
وَإِنَّمَا شَرُفَ العِلْمُ بِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ المَرْءُ الكَرَامَةَ عِنْدَ اللهِ، وَالسَّعَادَةَ الأَبَدِيَّةَ، كَمَا قِيلَ
§10.1
لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا شِعْرًا:
§10.2
تَعَلَّمْ فَإِنَّ العِلْمَ زَيْنٌ لِأَهْلِهِ
وَفَضْلٌ وَعُنْوَانٌ لِكُلِّ المَحَامِدِ
§10.3
وَكُنْ مُسْتَفِيدًا كُلَّ يَوْمٍ زِيَادَةً
مِنَ العِلْمِ وَاسْبَحْ فِي بُحُورِ الفَوَائِدِ
§10.4
تَفَقَّهْ فَإِنَّ الفِقْهَ أَفْضَلُ قَائِدٍ
إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَأَعْدَلُ قَاصِدِ
§10.5
هُوَ العَلَمُ الهَادِي إِلَى سُنَنِ الهُدَى
هُوَ الحِصْنُ يُنْجِي مِنْ جَمِيعِ الشَّدَائِدِ
§10.6
فَإِنَّ فَقِيهًا وَاحِدًا مُتَوَرِّعًا
أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدِ
§10.7
وَالعِلْمُ وَسِيلَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ: الكِبْرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالأُلْفَةِ، وَالعِفَّةِ، وَالإِسْرَافِ، وَالتَّقْتِيرِ، وَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الأَخْلَاقِ نَحْوَ الجُودِ، وَالبُخْلِ، وَالجُبْنِ، وَالجَرَاءَةِ.
§11.1
فَإِنَّ الكِبْرَ، وَالبُخْلَ وَالجُبْنَ وَالإِسْرَافَ حَرَامٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا إِلَّا بِعِلْمِهَا، وَعِلْمِ مَا يُضَادُّهَا، فَيُفْتَرَضُ عَلَى إِنْسَانٍ عِلْمُهَا.
§11.2
وَقَدْ صَنَّفَ السَّيِّدُ الإِمَامُ الأَجَلُّ الأُسْتَاذُ الشَّهِيدُ نَاصِرُ الدِّينِ أَبُو القَاسِمِ كِتَابًا فِي «الأَخْلَاقِ» وَنِعْمَ مَا صَنَّفَ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حِفْظُهَا.
§11.3
وَأَمَّا حِفْظُ مَا يَقَعُ فِي الأَحَايِينِ فَفَرْضٌ عَلَى سَبِيلِ الكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ فِي بَلْدَةٍ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي البَلْدَةِ مَنْ يَقُومُ بِهِ اشْتَرَكُوا جَمِيعًا فِي المَأْثَمِ، فَيَجِبُ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ، وَيُجْبِرَ أَهْلَ البَلْدَةِ عَلَى ذَلِكَ.
§11.4
قِيلَ: إِنَّ عِلْمَ مَا يَقَعُ عَلَى نَفْسِهِ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ. وَعِلْمُ مَا يَقَعُ فِي الأَحَايِينِ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ. وَعِلْمُ النُّجُومِ بِمَنْزِلَةِ المَرَضِ، فَتَعَلُّمُهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا
§12.1
[تابع من الصفحة السابقة:] يَنْفَعُ، وَالهَرَبُ عَنْ قَضَاءِ اللهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
§12.2
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَقِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالصَّدَقَاتِ الدَّافِعَةِ لِلْبَلَاءِ، وَالصَّلَاةِ، وَيَسْأَلَ اللهَ تَعَالَى العَفْوَ وَالعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لِيَصُونَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ البَلَاءَ وَالآفَاتِ، فَإِنَّ مَنْ رُزِقَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الإِجَابَةَ.
§12.3
اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ النُّجُومِ قَدْرَ مَا يُعْرَفُ بِهِ القِبْلَةُ، وَأَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَمَّا تَعَلُّمُ عِلْمِ الطِّبِّ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنَ الأَسْبَابِ فَيَجُوزُ تَعَلُّمُهُ كَسَائِرِ الأَسْبَابِ. وَقَدْ تَدَاوَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
§12.4
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الفِقْهِ لِلْأَدْيَانِ، وَعِلْمُ الطِّبِّ لِلْأَبْدَانِ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ بُلْغَةُ مَجْلِسٍ.
§13.1
وَأَمَّا تَفْسِيرُ العِلْمِ: فَهُوَ صِفَةٌ يَتَجَلَّى بِهَا المَذْكُورُ لِمَنْ قَامَتْ هِيَ بِهِ كَمَا هُوَ. وَالفِقْهُ: مَعْرِفَةُ دَقَائِقِ العِلْمِ مَعَ نَوْعِ عِلَاجٍ.
§13.2
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: «الفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا». وَقَالَ: «مَا العِلْمُ إِلَّا لِلْعَمَلِ بِهِ، وَالعَمَلُ بِهِ تَرْكُ العَاجِلِ لِلْآجِلِ».
§13.3
فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ نَفْسِهِ، مَا يَنْفَعُهَا وَمَا يَضُرُّهَا، فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَيَسْتَجْلِبَ مَا يَنْفَعُهَا وَيَجْتَنِبَ عَمَّا يَضُرُّهَا، كَيْ لَا يَكُونَ عَقْلُهُ وَعِلْمُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ فَيَزْدَادَ عُقُوبَةً، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ.
§14.1
ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ النِّيَّةِ فِي زَمَانِ تَعَلُّمِ العِلْمِ، إِذِ النِّيَّةُ هِيَ الأَصْلُ فِي جَمِيعِ الأَفْعَالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
§14.2
كَمْ مِنْ عَمَلٍ يُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَمَلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَصِيرُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الآخِرَةِ، وَكَمْ مِنْ عَمَلٍ يَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ عَمَلِ الآخِرَةِ ثُمَّ يَصِيرُ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا بِسُوءِ النِّيَّةِ.
§14.3
يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ المُتَعَلِّمُ بِطَلَبِ العِلْمِ رِضَاءَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَإِزَالَةَ الجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ سَائِرِ الجُهَّالِ، وَإِحْيَاءَ الدِّينِ وَإِبْقَاءَ الإِسْلَامِ، فَإِنَّ بَقَاءَ الإِسْلَامِ بِالعِلْمِ، وَلَا يَصِحُّ الزُّهْدُ وَالتَّقْوَى مَعَ الجَهْلِ.
§15.1
وَأَنْشَدَنَا الشَيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ الأُسْتَاذُ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ «الهِدَايَةِ» لِبَعْضِهِمْ شِعْرًا:
فَسَادٌ كَبِيرٌ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ
وَأَكْبَرُ مِنْهُ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكُ
هُمَا فِتْنَةٌ لِلْعَالَمِينَ عَظِيمَةٌ
لِمَنْ بِهِمَا فِي دِينِهِ يَتَمَسَّكُ
§15.2
وَيَنْوِي بِهِ: الشُّكْرَ عَلَى نِعْمَةِ العَقْلِ، وَصِحَّةِ البَدَنِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَلَا اسْتِجْلَابَ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَالكَرَامَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا: «لَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيدِي وَتَبَرَّأْتُ مِنْ وَلَائِهِمْ».
§15.3
أَنْشَدَنَا الشَيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ الأُسْتَاذُ قَوَامُ الدِّينِ حَمَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارُ الأَنْصَارِيُّ إِمْلَاءً لِأَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:
مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلْمَعَادِ فَازَ بِفَضْلٍ مِنَ الرَّشَادِ
فَيَا لَخُسْرَانِ طَالِبِيهِ لِنَيْلِ فَضْلٍ مِنَ العِبَادِ
§16.1
اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا طَلَبَ الجَاهَ لِلْأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَتَنْفِيذِ الحَقِّ، وَإِعْزَازِ الدِّينِ لَا لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ بِهِ الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ.
§16.2
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا الدُّنْيَا، فَوَ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لَأَسْحَرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ». شِعْرٌ:
هِيَ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنَ القَلِيلِ وَعَاشِقُهَا أَذَلُّ مِنَ الذَّلِيلِ
تُصِمُّ بِسِحْرِهَا قَوْمًا وَتُعْمِي فَهُمْ مُتَحَيِّرُونَ بِلَا دَلِيلٍ
§16.3
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ بِالطَّمَعِ فِي غَيْرِ المَطْمَعِ، وَيَحْتَرِزَ عَمَّا فِيهِ مَذَلَّةُ العِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَيَكُونَ مُتَوَاضِعًا، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَ التَّكَبُّرِ وَالذِّلَّةِ، وَالعِفَّةُ كَذَلِكَ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ «الأَخْلَاقِ».
§17.1
إِنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ خِصَالِ المُتَّقِي
وَبِهِ التَّقِيُّ إِلَى المَعَالِي يَرْتَقِي
وَمِنَ العَجَائِبِ عُجْبُ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ
فِي حَالِهِ أَهُوَ السَّعِيدُ أَمِ الشَّقِيُّ
أَمْ كَيْفَ يُخْتَمُ عُمْرُهُ أَوْ رُوحُهُ
يَوْمَ النَّوَى مُتَسَفِّلٌ أَوْ مُرْتَقِي
وَالكِبْرِيَاءُ لِرَبِّنَا صِفَةٌ لَهُ
مَخْصُوصَةٌ فَتَجَنَّبْهَا وَاتَّقِي
§17.2
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ: «عَظِّمُوا عَمَائِمَكُمْ وَوَسِّعُوا أَكْمَامَكُمْ». وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُسْتَخَفَّ بِالعِلْمِ وَأَهْلِهِ.
§17.3
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يُحَصِّلَ كِتَابَ «الوَصِيَّةِ» الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِيُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ، يَجِدُهُ مَنْ يَطْلُبُ العِلْمَ.
§18.1
وَقَدْ كَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ العَزِيزَ أَمَرَنِي بِكِتَابَتِهِ عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِي فَكَتَبْتُهُ.
§18.2
وَلَا بُدَّ لِلْمُدَرِّسِ وَالمُفْتِي فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ مِنْهُ. وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
§19.1
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ أَحْسَنَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ فِي الحَالِ، ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي المَآلِ.
§19.2
وَيُقَدِّمُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالمَعْرِفَةَ وَيَعْرِفُ اللهَ تَعَالَى بِالدَّلِيلِ، فَإِنَّ إِيمَانَ المُقَلِّدِ ـ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَنَا ـ لَكِنْ يَكُونُ آثِمًا بِتَرْكِ الاسْتِدْلَالِ.
§19.3
وَيَخْتَارُ العَتِيقَ دُونَ المُحْدَثَاتِ. قَالُوا: عَلَيْكُمْ بِالعَتِيقِ وَإِيَّاكُمْ وَالمُحْدَثَاتِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهَذَا الجِدَالِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الأَكَابِرِ مِنَ العُلَمَاءِ.
§19.4
فَإِنَّهُ يُبْعِدُ عَنِ الفِقْهِ وَيُضَيِّعُ العُمُرَ وَيُورِثُ الوَحْشَةَ وَالعَدَاوَةَ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَارْتِفَاعِ العِلْمِ وَالفِقْهِ، كَذَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ. أَمَّا اخْتِيَارُ الأُسْتَاذِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الأَعْلَمَ وَالأَوْرَعَ.
§20.1
وَالأَسَنَّ، كَمَا اخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ، حَمَّادَ بْنَ أَبِي سُلَيْمَانَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ، وَقَالَ: «وَجَدْتُهُ شَيْخًا وَقُورًا حَلِيمًا صَبُورًا فِي الأُمُورِ». وَقَالَ: ثَبَتُّ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ فَنَبَتُّ.
§20.2
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: «سَمِعْتُ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ قَالَ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ شَاوَرَنِي فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى بُخَارَى لِطَلَبِ العِلْمِ.»
§20.3
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَرَ فِي كُلِّ أَمْرٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالمُشَاوَرَةِ فِي الأُمُورِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَفْطَنَ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالمُشَاوَرَةِ، وَكَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ حَتَّى حَوَائِجِ البَيْتِ.
§20.4
قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: «مَا هَلَكَ امْرُؤٌ عَنْ مَشُورَةٍ». قِيلَ: «النَّاسُ رَجُلٌ تَامٌّ وَنِصْفُ رَجُلٍ وَلَا شَيْءَ، فَالرَّجُلُ: مَنْ لَهُ رَأْيٌ صَائِبٌ وَيُشَاوِرُ العُقَلَاءَ، وَنِصْفُ رَجُلٍ:»
§21.1
[تابع:] مَنْ لَهُ رَأْيٌ صَائِبٌ لَكِنْ لَا يُشَاوِرُ، أَوْ يُشَاوِرُ وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ: مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ وَلَا يُشَاوِرُ. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: «شَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ تَعَالَى».
§21.2
فَطَلَبُ العِلْمِ مِنْ أَعْلَى الأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا، فَكَانَتِ المُشَاوَرَةُ فِيهِ أَهَمَّ وَأَوْجَبَ. قَالَ الحَكِيمُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: «إِذَا ذَهَبْتَ إِلَى بُخَارَى فَلَا تَعْجَلْ فِي الاخْتِلَافِ إِلَى الأَئِمَّةِ، وَامْكُثْ شَهْرَيْنِ حَتَّى تَتَأَمَّلَ وَتَخْتَارَ أُسْتَاذًا.»
§21.3
فَإِنَّكَ إِنْ ذَهَبْتَ إِلَى عَالِمٍ وَبَدَأْتَ بِالسَّبَقِ عِنْدَهُ فَرُبَّمَا لَا يُعْجِبُكَ دَرْسُهُ فَتَتْرُكَهُ فَتَذْهَبَ إِلَى آخَرَ، فَلَا يُبَارَكُ لَكَ فِي التَّعَلُّمِ. فَتَأَمَّلْ فِي شَهْرَيْنِ فِي اخْتِيَارِ الأُسْتَاذِ، وَشَاوِرْ حَتَّى لَا تَحْتَاجَ إِلَى تَرْكِهِ وَالإِعْرَاضِ عَنْهُ، فَتَثْبُتَ عِنْدَهُ حَتَّى يَكُونَ تَعَلُّمُكَ مُبَارَكًا وَتَنْتَفِعَ بِعِلْمِكَ كَثِيرًا.
§21.4
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ.
§22.1
وَلَكِنَّهُ عَزِيزٌ كَمَا قِيلَ:
لِكُلٍّ إِلَى شَأْوِ العُلَا حَرَكَاتٌ وَلَكِنْ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ
§22.2
قِيلَ: مَا الشَّجَاعَةُ؟ قِيلَ: الشَّجَاعَةُ صَبْرُ سَاعَةٍ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ وَيَصْبِرَ عَلَى أُسْتَاذٍ وَعَلَى كِتَابٍ حَتَّى لَا يَتْرُكَهُ أَبْتَرَ، وَعَلَى فَنٍّ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ بِفَنٍّ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُتْقِنَ الأَوَّلَ، وَعَلَى بَلَدٍ حَتَّى لَا يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
§22.3
فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفَرِّقُ الأُمُورَ، وَيُشْغِلُ القَلْبَ، وَيُضَيِّعُ الأَوْقَاتَ، وَيُؤْذِي المُعَلِّمَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَمَّا تُرِيدُهُ نَفْسُهُ وَهَوَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الهَوَى لَهُوَ الهَوَانُ بِعَيْنِهِ وَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى صَرِيعُ هَوَانِ
§23.1
أَلَا لَنْ تَنَالَ العِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ سَأُنْبِيكَ عَنْ مَجْمُوعِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاصْطِبَارٌ وَبُلْغَةٌ وَإِرْشَادُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
§23.2
وَأَمَّا اخْتِيَارُ الشَّرِيكِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ المُجِدَّ وَالوَرِعَ وَصَاحِبَ الطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ المُتَفَهِّمَ، وَيَفِرَّ مِنَ الكَسْلَانِ وَالمُعَطَّلِ وَالمُكْثَارِ وَالمُفْسِدِ وَالفَتَّانِ.
§23.3
قَالَ الشَّاعِرُ:
عَنِ المَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ فَإِنَّ القَرِينَ بِالمُقَارِنِ يَقْتَدِي
فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَانِبْهُ سُرْعَةً وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي
§24.1
وَأُنْشِدْتُ شِعْرًا آخَرَ:
لَا تَصْحَبِ الكَسْلَانَ فِي حَالَاتِهِ كَمْ صَالِحٍ بِفَسَادِ آخَرَ يَفْسُدُ
عَدْوَى البَلِيدِ إِلَى الجَلِيدِ سَرِيعَةٌ كَالجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَيَخْمُدُ
§24.2
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ» الحَدِيثَ.
§24.3
وَيُقَالُ فِي الحِكْمَةِ بِالفَارِسِيَّةِ:
بَارِيد بَدْتَر بُود از مَارِبَدْ بِحَقِّ ذَاتِ بَاكِ اللهِ الصَّمَدْ
بَارِيد ازْدَتَرَا سُوي حَجِيمْ بَارْ نِيكُوكِيرْ نَابِي نَعِيمْ
وَقِيلَ:
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي العِلْمَ وَأَهْلَهُ أَوْ شَاهِدًا يُخْبِرُ عَنْ غَائِبٍ
فَاعْتَبِرِ الأَرْضَ بِأَسْمَائِهَا وَاعْتَبِرِ الصَّاحِبَ بِالصَّاحِبِ
§25.1
اعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ العِلْمِ لَا يَنَالُ العِلْمَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِتَعْظِيمِ العِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَتَعْظِيمِ الأُسْتَاذِ وَتَوْقِيرِهِ.
§25.2
قِيلَ: مَا وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَّا بِالحُرْمَةِ، وَمَا سَقَطَ مَنْ سَقَطَ إِلَّا بِتَرْكِ الحُرْمَةِ. وَقِيلَ: الحُرْمَةُ خَيْرٌ مِنَ الطَّاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَكْفُرُ بِالمَعْصِيَةِ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِاسْتِخْفَافِهَا وَتَرْكِ الحُرْمَةِ.
§25.3
وَمِنْ تَعْظِيمِ العِلْمِ تَعْظِيمُ الأُسْتَاذِ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أَنَا عَبْدُ مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفًا وَاحِدًا، إِنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ».
§26.1
وَأَنْشَدْتُ فِي ذَلِكَ:
رَأَيْتُ أَحَقَّ الحَقِّ حَقَّ المُعَلِّمِ وَأَوْجَبَهُ حِفْظًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ
لَقَدْ حَقَّ أَنْ يُهْدَى إِلَيْهِ كَرَامَةً تَعْلِيمَ حَرْفٍ وَاحِدٍ أَلْفُ دِرْهَمِ
فَإِنَّ مَنْ عَلَّمَكَ حَرْفًا وَاحِدًا مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَبُوكَ فِي الدِّينِ.
§26.2
وَمِنْ تَوْقِيرِ المُعَلِّمِ أَنْ لَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ، وَلَا يَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَلَا يَبْتَدِئَ بِالكَلَامِ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يُكْثِرَ الكَلَامَ عِنْدَهُ، وَلَا يَسْأَلَ شَيْئًا عِنْدَ مَلَالَتِهِ وَيُرَاعِيَ الوَقْتَ، وَلَا يَدُقَّ البَابَ بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَخْرُجَ الأُسْتَاذُ.
§27.1
وَكَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ «الهِدَايَةِ» يَحْكِي: أَنَّ وَاحِدًا مِنَ الأَئِمَّةِ الكِبَارِ كَانَ يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِ الدَّرْسِ، وَكَانَ يَقُومُ فِي خِلَالِ الدَّرْسِ أَحْيَانًا فَسُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ أُسْتَاذِي يَلْعَبُ فِي السِّكَّةِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ أَقُومُ لَهُ تَعْظِيمًا لِأُسْتَاذِي».
§27.2
وَالقَاضِي الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الأَرْسَابَنْدِيُّ كَانَ رَئِيسَ الأَئِمَّةِ فِي مَرْوَ، وَوُجِدَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ بِخِدْمَةِ الأُسْتَاذِ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْقِي مَاءَ القَاضِي الإِمَامِ أَبِي يَزِيدَ الدَّبُوسِيِّ، وَكَانَ يَطْبُخُ طَعَامَهُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ.
§28.1
وَحُكِيَ أَنَّ الخَلِيفَةَ هَارُونَ الرَّشِيدَ بَعَثَ ابْنَهُ إِلَى الأَصْمَعِيِّ لِيُعَلِّمَهُ العِلْمَ وَالأَدَبَ، فَرَآهُ يَوْمًا يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَهُ، وَابْنُ الخَلِيفَةِ يَصُبُّ المَاءَ عَلَى رِجْلِهِ، فَعَاتَبَ الأَصْمَعِيَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّمَا بَعَثْتُهُ إِلَيْكَ لِتُعَلِّمَهُ وَتُؤَدِّبَهُ، فَلِمَاذَا لَمْ تَأْمُرْهُ بِأَنْ يَصُبَّ المَاءَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَيَغْسِلَ بِالأُخْرَى رِجْلَكَ؟».
§29.1
وَمِنْ تَعْظِيمِ العِلْمِ تَعْظِيمُ الكِتَابِ، فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يَأْخُذَ الكِتَابَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ. وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ شَمْسِ الأَئِمَّةِ الحُلْوَانِيِّ رَحْمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا نِلْتُ هَذَا العِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ، فَإِنِّي مَا أَخَذْتُ الكَاغَدَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ».
§29.2
وَالشَّيْخُ الإِمَامُ شَمْسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ، وَكَانَ يُكَرِّرُ، وَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُكَرِّرُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ. وَهَذَا لِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ وَالوُضُوءَ نُورٌ فَيَزْدَادُ نُورُ العِلْمِ بِهِ.
§30.1
وَمِنَ التَّعْظِيمِ الوَاجِبِ لِلْعَالِمِ أَنْ لَا يَمُدَّ الرِّجْلَ إِلَى الكِتَابِ، وَيَضَعَ كِتَابَ التَّفْسِيرِ فَوْقَ سَائِرِ الكُتُبِ تَعْظِيمًا، وَلَا يَضَعَ شَيْئًا آخَرَ عَلَى الكِتَابِ.
§30.2
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى يَحْكِي عَنْ شَيْخٍ مِنَ المَشَايِخِ: أَنَّ فَقِيهًا كَانَ وَضَعَ المِحْبَرَةَ عَلَى الكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ بِالفَارِسِيَّةِ: «بَرْنَيَا يِي» [أَيْ: لَنْ تَنْتَفِعَ].
§31.1
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا القَاضِي الإِمَامُ الأَجَلُّ فَخْرُ الدِّينِ المَعْرُوفُ بِشَيْخِ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الإِسْلَامِ صَاحِبُ الهِدَايَةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ يَحْكِي: أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ عَالِمًا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ الغُرَبَاءَ مِنَ الفُقَهَاءِ وَيُكْرِمَهُمْ وَيُطْعِمَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ شَيْئًا.
§31.2
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنُهُ عَالِمًا يَكُونُ حَفِيدُهُ عَالِمًا.
§32.1
وَلْيَحْتَرِزْ خُصُوصًا عَنِ التَّكَبُّرِ، فَإِنَّ مَعَ التَّكَبُّرِ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالوَقَارَ».
§33.1
وَالأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ تُعْرَفُ فِي «كِتَابِ الأَخْلَاقِ» وَكِتَابُنَا هَذَا لَا يَحْتَمِلُ بَيَانَهَا. وَلْيَحْتَرِزْ خُصُوصًا عَنِ التَّكَبُّرِ، وَمَعَ التَّكَبُّرِ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ. قِيلَ:
العِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى المُتَعَالِي كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ العَالِي
§34.1
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ الجِدِّ وَالمُوَاظَبَةِ وَالمُلَازَمَةِ لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ فِي القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
§34.2
بِجِدٍّ لَا بِجَهْدٍ كُلُّ مَجْدٍ فَهَلْ جَدٌّ بِلَا جِدٍّ بِمُجْدِي
فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ يَقُومُ مَقَامَ حُرٍّ وَكَمْ حُرٍّ يَقُومُ مَقَامَ عَبْدِ
وَقِيلَ: مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَجَدَّ، وَجَدَ، وَمَنْ قَرَعَ البَابَ، وَلَجَّ، وَلَجَ.
§35.1
وَقِيلَ: يَحْتَاجُ فِي التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ إِلَى جِدِّ ثَلَاثَةٍ: المُتَعَلِّمِ، وَالأُسْتَاذِ، وَالأَبِ إِنْ كَانَ فِي الأَحْيَاءِ.
§35.2
قِيلَ: بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي وَمَنْ طَلَبَ العُلَا سَهِرَ اللَّيَالِيَ.
§36.1
ثُمَّ لَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنَ الهِمَّةِ العَالِيَةِ فِي العِلْمِ، فَإِنَّ المَرْءَ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ كَالطَّيْرِ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ.
§36.2
وَقَدْ قَالَ المُتَنَبِّي: عَلَى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
§37.1
وَمَنْ رَامَ العُلَى مِنْ غَيْرِ كَدٍّ
أَضَاعَ العُمْرَ فِي طَلَبِ المُحَالِ
§37.2
فَوَثِّقْنِي إِلَى تَحْصِيلِ عِلْمٍ
وَبَلِّغْنِي إِلَى أَقْصَى المَعَالِي
§37.3
قِيلَ: اتَّخِذِ اللَّيْلَ جَمَلًا تُدْرِكْ بِهِ أَمَلًا.
§37.4
قَالَ المُصَنِّفُ — وَقَدِ اتَّفَقَ لِي فِي هَذَا المَعْنَى شِعْرٌ:
مَنْ شَاءَ أَنْ يَحْتَوِيَ آمَالَهُ جُمَلَا
فَلْيَتَّخِذْ لَيْلَهُ فِي دَرْكِهَا جَمَلَا
§37.5
أَقْلِلْ طَعَامَكَ كَيْ تَحْظَى بِهِ سَهَرًا
إِنْ شِئْتَ يَا صَاحِبِي أَنْ تَبْلُغَ الكَمَلَا
§37.6
وَقِيلَ: مَنْ أَسْهَرَ نَفْسَهُ بِاللَّيْلِ فَقَدْ فَرَّحَ قَلْبَهُ بِالنَّهَارِ.
§37.7
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنَ المُوَاظَبَةِ عَلَى الدَّرْسِ وَالتَّكْرَارِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ وَوَقْتَ السَّحَرِ وَقْتٌ مُبَارَكٌ.
§37.8
قِيلَ فِي هَذَا المَعْنَى:
§38.1
يَا طَالِبَ العِلْمِ بَاشِرِ الوَرَعَا
وَجَانِبِ النَّوْمَ وَاتْرُكِ الشَّبَعَا
§38.2
وَدَاوِمْ عَلَى الدَّرْسِ لَا تُفَارِقُهُ
فَإِنَّ العِلْمَ بِالدَّرْسِ قَامَ وَارْتَفَعَا
§38.3
فَيَغْتَنِمُ أَيَّامَ الحَدَاثَةِ وَعُنْفُوَانَ الشَّبَابِ، كَمَا قِيلَ:
§38.4
بِقَدْرِ الكَدِّ تُكْتَسَبُ المَعَالِي
فَمَنْ رَامَ المُنَى لَيْلًا يَقُومُ
§38.5
وَأَيَّامُ الحَدَاثَةِ فَاغْتَنِمْهَا
أَلَا إِنَّ الحَدَاثَةَ لَا تَدُومُ
§38.6
وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ جَهْدًا يُضْعِفُ النَّفْسَ حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنِ العَمَلِ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ الرِّفْقَ فِي ذَلِكَ، وَالرِّفْقُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ.
§38.7
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عِبَادَةَ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ المُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى».
§38.8
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «نَفْسُكَ مَطِيَّتُكَ فَارْفُقْ بِهَا».
§39.1
فَلَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنَ الهِمَّةِ العَالِيَةِ فِي العَمَلِ، فَإِنَّ المَرْءَ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ كَمَا يَطِيرُ الطَّيْرُ بِجَنَاحَيْهِ.
§39.2
عَلَى قَدْرِهِ أَهْلُ العَزْمِ تَأْتِي العَزَائِمُ
وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الكِرَامِ المَكَارِمُ
§39.3
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا
وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ العَظِيمِ العَظَائِمُ
§39.4
وَالرُّكْنُ فِي تَحْصِيلِ الأَشْيَاءِ الجِدُّ وَالهِمَّةُ العَالِيَةُ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَشْتَغِلُ بِالعِلْمِ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَيَضَعُ عِنْدَهُ مَاءً، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ تَوَضَّأَ وَقَامَ.
§39.5
ذَكَرَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ رَضِيُّ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ «مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ»: أَنَّ ذَا القَرْنَيْنِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ قَالَ لَهُ الحُكَمَاءُ:
§40.1
كَيْفَ أُسَافِرُ وَعِنْدِي هَذَا القَدْرُ مِنَ المُلْكِ وَالنِّعْمَةِ؟ فَقَالَ الحُكَمَاءُ: سَافِرْ لِيَحْصُلَ لَكَ مُلْكُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَقَالَ ذُو القَرْنَيْنِ: هَذَا أَحْسَنُ.
§40.2
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».
§40.3
وَقِيلَ: فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمَّهُ
فَمَا صَلَّى عَصَاهُ كَمُسْتَدِيمٍ
§40.4
قِيلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ لِأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ: كُنْتَ بَلِيدًا أَخْرَجَتْكَ المُوَاظَبَةُ إِلَى مَا أَرَى.
§40.5
قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الصَّفَّارُ الأَنْصَارِيُّ:
§41.1
يَا نَفْسُ يَا نَفْسُ لَا تُرْخِي عَنِ العَمَلِ
فِي البِرِّ وَالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ فِي مَهَلِ
§41.2
فَكُلُّ ذِي عَمَلٍ فِي الخَيْرِ مُغْتَبِطٌ
وَفِي بَلَاءٍ وَشُؤْمٍ كُلُّ ذِي كَسَلِ
§41.3
قَالَ المُصَنِّفُ — وَقَدِ اتَّفَقَ لِي فِي هَذَا المَعْنَى شِعْرٌ:
دَعَوْتُ نَفْسِيَ التَّكَاسُلَ وَالتَّوَانِيَ
وَإِلَّا فَأَتِينِي فِي ذَا الهَوَانِ
§41.4
فَلَمْ أَرَ لِلْكُسَالَى الحَظَّ يُعْطَى
سِوَى نَدَمٍ وَحِرْمَانِ الأَمَانِي
§41.5
وَقِيلَ:
كَمْ مِنْ حَيَاءٍ وَكَمْ عَجْزٍ وَكَمْ نَدَمٍ
جَمٌّ تَوَلَّدَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ كَسَلِ
§41.6
إِيَّاكَ عَنْ كَسَلٍ فِي البَحْثِ عَنْ شَبَهٍ
فَمَا عَلِمْتَ وَمَا قَدَّ شَدَّ عَنْكَ سَلْ
§42.1
وَقَدْ قِيلَ: الكَسَلُ مِنْ قِلَّةِ التَّأَمُّلِ فِي مَنَاقِبِ العِلْمِ وَفَضَائِلِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ عَلَى التَّحْصِيلِ وَالجِدِّ وَالمُوَاظَبَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِي فَضَائِلِ العِلْمِ، فَإِنَّ العِلْمَ يَبْقَى بِبَقَاءِ المَعْلُومَاتِ وَالمَالَ يَفْنَى، كَمَا قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ:
§42.2
رَضِينَا قِسْمَةَ الجَبَّارِ فِينَا
لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ
§42.3
فَإِنَّ المَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ
وَإِنَّ العِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ
§42.4
وَالعِلْمُ النَّافِعُ يَحْصُلُ بِهِ حُسْنُ الذِّكْرِ وَيَبْقَى ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَإِنَّهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ.
§42.5
وَأَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ ظَهِيرُ الدِّينِ مُفْتِي الأَئِمَّةِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ المَعْرُوفُ بِالمَرْغِينَانِيِّ:
الجَاهِلُونَ مَوْتَى قَبْلَ مَوْتِهِمُ
وَالعَالِمُونَ وَإِنْ مَاتُوا فَأَحْيَاءُ
§42.6
وَأَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ:
وَفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ
فَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
§43.1
وَإِنِ امْرُؤٌ لَمْ يَحْيَا بِالعِلْمِ مَيِّتٌ
فَلَيْسَ لَهُ حِينَ النُّشُورِ نُشُورُ
§43.2
وَقَالَ غَيْرُهُ:
أَخُو العِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ
وَأَوْصَالُهُ تَحْتَ التُّرَابِ رَمِيمُ
§43.3
وَذُو الجَهْلِ مَيِّتٌ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى الثَّرَى
يُظْهَرُ مِنَ الأَحْيَاءِ وَهُوَ عَدِيمُ
§43.4
وَقَالَ آخَرُ:
حَيَاةُ القَلْبِ عِلْمٌ فَاغْتَنِمْهُ
وَمَوْتُ القَلْبِ جَهْلٌ فَاجْتَنِبْهُ
§43.5
وَأَنْشَدَنِي أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ شِعْرًا:
ذَا العِلْمُ أَعْلَى رُتْبَةً فِي المَرَاتِبِ
وَمَنْ دُونَهُ عِزُّ العُلَى فِي المَوَاكِبِ
§44.1
هُوَ النُّورُ كُلُّ النُّورِ يَهْدِي عَنِ العَمَى
وَذُو الجَهْلِ مَرَّ الدَّهْرَ بَيْنَ الغَيَاهِبِ
§44.2
هُوَ الذِّرْوَةُ الشَّمَّاءُ تَحْمِي مَنِ التَجَأَ
إِلَيْهَا وَيَمْشِي آمِنًا فِي النَّوَائِبِ
§44.3
بِهِ يَبْلُغُ المَرْءُ الكَمَالَ وَرُتْبَةً
سَنِيَّةً تَعْلُو عَلَى كُلِّ رَاكِبِ
§44.4
وَكَمْ عَالِمٍ قَدْ مَاتَ لَكِنَّ ذِكْرَهُ
يَسِيرُ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ وَيُكْتَبُ
§45.1
فَلَا تَتْرُكِ العِلْمَ الشَّرِيفَ مُقَصِّرًا
وَكُنْ طَالِبًا فِيهِ بِقَلْبٍ مُرَاقِبِ
§45.2
الفِقْهُ أَنْفَسُ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ ذَاخِرُهُ
مَنْ يَدْرُسِ العِلْمَ لَمْ تَدْرُسْ مَفَاخِرُهُ
§45.3
فَاكْسِبْ لِنَفْسِكَ مَا أَصْبَحْتَ تَجْهَلُهُ
فَأَوَّلُ العِلْمِ إِقْبَالٌ وَآخِرُهُ
§46.1
وَكَفَى بِلَذَّةِ العِلْمِ وَالفِقْهِ وَالفَهْمِ دَاعِيًا وَبَاعِثًا لِلْعَاقِلِ عَلَى تَحْصِيلِ العِلْمِ.
§46.2
وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الكَسَلُ مِنْ كَثْرَةِ البَلْغَمِ وَالرُّطُوبَاتِ، وَطَرِيقُ تَقْلِيلِهِ تَقْلِيلُ الطَّعَامِ.
§46.3
قِيلَ: اتَّفَقَ سَبْعُونَ طَبِيبًا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ كَثْرَةِ البَلْغَمِ، وَكَثْرَةُ البَلْغَمِ مِنْ كَثْرَةِ شُرْبِ المَاءِ، وَكَثْرَةُ شُرْبِ المَاءِ مِنْ كَثْرَةِ الأَكْلِ، وَالخُبْزُ اليَابِسُ يَقْطَعُ البَلْغَمَ.
§46.4
وَالسِّوَاكُ يُقَلِّلُ البَلْغَمَ وَيَزِيدُ الحِفْظَ وَالفَصَاحَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَشُرْبُ العَسَلِ، وَالسَّنَا، وَاللُّبَانُ.
§47.1
وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ: الأَكُولُ، وَالبَخِيلُ، وَالمُتَكَبِّرُ». وَتَأَمَّلْ فِي مَضَارِّ كَثْرَةِ الأَكْلِ وَهِيَ: الأَمْرَاضُ وَكَلَالَةُ الطَّبْعِ، وَقِيلَ: «البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةَ».
§48.1
كَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ يُوقِفُ بِدَايَةَ السَّبَقِ عَلَى يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ يَرْوِي فِي ذَلِكَ حَدِيثًا وَيَسْتَدِلُّ بِهِ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ بُدِئَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ إِلَّا وَقَدْ تَمَّ».
§49.1
وَأَمَّا قَدْرُ السَّبَقِ: قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ: «يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَدْرُ السَّبَقِ لِلْمُبْتَدِئِ قَدْرَ مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ بِالرِّفْقِ، وَيَزِيدُ كُلَّ يَوْمٍ كَلِمَةً». وَقَدْ قِيلَ: السَّبَقُ حَرْفٌ، وَالتَّكْرَارُ أَلْفٌ.
§50.1
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِشَيْءٍ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِهِ. كَانَ الشَّيْخُ الإِمَامُ الأُسْتَاذُ شَرَفُ الدِّينِ العُقَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: الصَّوَابُ عِنْدِي فِي هَذَا مَا فَعَلَهُ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ لِلْمُبْتَدِئِ صِغَارَاتِ المَبْسُوطِ.
§51.1
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّقَ السَّبَقَ بَعْدَ الضَّبْطِ وَالإِعَادَةِ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدًّا. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَادَ التَّعْلِيقَ قَبْلَ الضَّبْطِ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَضْيِيعِ الأَوْقَاتِ.
§52.1
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَمِّلًا فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ فِي دَقَائِقِ العُلُومِ وَيَعْتَادَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُدْرَكُ الدَّقَائِقُ بِالتَّأَمُّلِ، فَلِهَذَا قِيلَ: «تَأَمَّلْ تُدْرِكْ».
§53.1
وَلَا بُدَّ مِنَ التَّأَمُّلِ قَبْلَ الكَلَامِ حَتَّى يَكُونَ صَوَابًا، فَإِنَّ الكَلَامَ كَالسَّهْمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْوِيمِهِ قَبْلَ الكَلَامِ حَتَّى يَكُونَ مُصِيبًا. قِيلَ: رَأْسُ العَقْلِ أَنْ يَكُونَ الكَلَامُ بِالتَّثَبُّتِ وَالتَّأَمُّلِ.
§54.1
وَيَكُونُ مُسْتَفِيدًا فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ وَالأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ الأَشْخَاصِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ أَيْنَمَا وَجَدَهَا أَخَذَهَا». وَقِيلَ: «خُذْ مَا صَفَا، وَدَعْ مَا كَدِرَ».
§55.1
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «بِمَ أَدْرَكْتَ العِلْمَ؟» قَالَ: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ». وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَالِبُ العِلْمِ: «مَا تَقُولُ؟» لِكَثْرَةِ مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ: «مَا تَقُولُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ؟».
§55.2
وَإِنَّمَا تَفَقَّهَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ بِكَثْرَةِ المُطَارَحَةِ وَالمُذَاكَرَةِ فِي دُكَّانِهِ حِينَ كَانَ بَزَّازًا. فَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ وَالفِقْهِ يَجْتَمِعُ مَعَ الكَسْبِ.
§56.1
فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَنِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ، المُنْصَرِفِ فِي طَرِيقِ العِلْمِ.
§56.2
قِيلَ لِعَالِمٍ: بِمَ أَدْرَكْتَ العِلْمَ؟ قَالَ: بِأَبٍ غَنِيٍّ. لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ العِلْمِ وَالفَضْلِ، فَإِنَّهُ سَبَبُ زِيَادَةِ العِلْمِ لِأَنَّهُ شُكْرٌ عَلَى نِعْمَةِ العَقْلِ وَالعِلْمِ، وَإِنَّهُ سَبَبُ الزِّيَادَةِ.
§56.3
قِيلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّمَا أَدْرَكْتُ العِلْمَ بِالحَمْدِ وَالشُّكْرِ، فَكُلَّمَا فَهِمْتُ وَوُفِّقْتُ عَلَى فِقْهٍ وَحِكْمَةٍ قُلْتُ: الحَمْدُ لِلهِ، فَازْدَادَ عِلْمِي.
§56.4
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالشُّكْرِ بِاللِّسَانِ وَالجَنَانِ وَالأَرْكَانِ وَالمَالِ، وَيَرَى الفَهْمَ وَالعِلْمَ وَالتَّوْفِيقَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَيَطْلُبَ الهِدَايَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هَادٍ مَنِ اسْتَهْدَاهُ.
§56.5
فَأَهْلُ الحَقِّ ـ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ ـ طَلَبُوا الحَقَّ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَالحَقَّ المُبَيَّنَ الهَادِي العَاصِمَ، فَهَدَاهُمُ اللهُ
§57.1
وَعَصَمَهُمْ عَنِ الضَّلَالَةِ. وَأَهْلُ الضَّلَالَةِ أُعْجِبُوا بِرَأْيِهِمْ وَعَقْلِهِمْ وَطَلَبُوا الحَقَّ مِنَ المَخْلُوقِ العَاجِزِ وَهُوَ العَقْلُ، لِأَنَّ العَقْلَ لَا يُدْرِكُ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ كَالبَصَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُبْصِرُ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ فَحُجِبُوا وَعَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.
§57.2
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الغَافِلُ مَنْ عَمِلَ بِغَفْلَتِهِ، وَالعَاقِلُ مَنْ عَمِلَ بِعَقْلِهِ». فَالعَمَلُ بِالعَقْلِ أَوَّلًا أَنْ يَعْرِفَ عَجْزَ نَفْسِهِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ».
§57.3
فَإِذَا عَرَفَ عَجْزَ نَفْسِهِ عَرَفَ قُدْرَةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَقْلِهِ بَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ، وَيَطْلُبُ الحَقَّ مِنْهُ. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
§57.4
وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَلَا يَبْخَلْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللهِ مِنَ البُخْلِ. قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ البُخْلِ».
§58.1
وَكَانَ أَبُو الشَّيْخِ الإِمَامِ الأَجَلِّ شَمْسِ الأَئِمَّةِ الحُلْوَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فَقِيرًا يَبِيعُ الحَلْوَاءَ، وَكَانَ يُعْطِي الفُقَهَاءَ مِنَ الحَلْوَاءِ وَيَقُولُ: ادْعُوا لِابْنِي. فَبِبَرَكَةِ جُودِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَشَفَقَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى نَالَ ابْنُهُ مَا نَالَ.
§58.2
وَيَشْتَرِي بِالمَالِ الكُتُبَ وَيَسْتَكْتِبُ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ.
§58.3
وَقَدْ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ مَالٌ كَثِيرٌ حَتَّى كَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الوُكَلَاءِ عَلَى مَالِهِ وَأَنْفَقَهُ كُلَّهُ فِي العِلْمِ وَالفِقْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ ثَوْبٌ نَفِيسٌ.
§58.4
فَرَآهُ أَبُو يُوسُفَ فِي ثَوْبٍ خَلَقٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثِيَابًا نَفِيسَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَقَالَ: «عُجِّلَ لَكُمْ، وَأُجِّلَ لَنَا». وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْهُ وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الهَدِيَّةِ سُنَّةً، لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَذَلَّةً لِنَفْسِهِ.
§58.5
قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ».
§59.1
وَحُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ فَخْرَ الإِسْلَامِ الإِرْسَابَنْدِيَّ رَحِمَهُ اللهُ جَمَعَ قُشُورَ البِطِّيخِ المُلْقَاةَ فِي مَكَانٍ خَالٍ فَأَكَلَهَا، فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ مَوْلَاهَا فَاتَّخَذَ لَهُ دَعْوَةً فَدَعَاهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يَقْبَلْ لِهَذَا.
§59.2
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ». وَلَا يَبْخَلْ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ المَالِ بَلْ يُنْفِقْ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
§59.3
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الفَقْرِ مَخَافَةَ الفَقْرِ». وَكَانَ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ يَتَعَلَّمُونَ الحِرْفَةَ ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ العِلْمَ، حَتَّى لَا يَطْمَعُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
§59.4
وَفِي الحِكْمَةِ: مَنِ اسْتَغْنَى بِمَالِ النَّاسِ افْتَقَرَ. وَالعَالِمُ إِذَا كَانَ طَمَّاعًا لَا يُبْقِي حُرْمَةَ العِلْمِ، وَلَا يَقُولُ بِالحَقِّ، فَلِهَذَا يَتَعَوَّذُ صَاحِبُ الشَّرْعِ ﷺ مِنْهُ وَيَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ طَمَعٍ يُدْنِي إِلَى طَبَعٍ».
§59.5
وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَرْجُوَ إِلَّا مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَخَافَ إِلَّا مِنْهُ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِمُجَاوَزَةِ حَدِّ الشَّرْعِ وَعَدَمِهَا؛ فَمَنْ
§60.1
عَصَى أَمَرَ مَنْ خَوَّفَهُ مِنَ المَخْلُوقِ ثَمَّ خَافَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَعْصِ أَمَرَ مَنْ خَوَّفَهُ مَعَ مُخَالَفَةِ حُدُودِ الشَّرْعِ تَجَاوَزَ حُدُودَ الشَّرْعِ وَرَاقَبَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّ خَوْفَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَا فِي جَانِبِهِ.
§60.2
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يَسْتَخِفَّ بِنَفْسِهِ وَيَطْلُبَهُ بِدُعَاءِ اللهِ تَعَالَى. قِيلَ: إِنَّ النُّبُوَّةَ ذَنُوبٌ يُكَفِّرُهَا الأَهَمُّ المُهِمُّ. قَالُوا: مَنْ قَدَّرَ هَمَّ لَهُ يُكَفِّرُهَا بِأَهَمِّ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ هَمِّ الآخِرَةِ، وَالسَّبَقِ الَّذِي يُحَلَّى بِأَحَسْنِ القَلْبِ فِي الصَّلَاةِ.
§60.3
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنْ تَقْلِيلِ العَلَائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَدْرِ الوَسْعِ فَلِهَذَا اخْتَارُوا الغُرْبَةَ.
§60.4
حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ كَانَ مَا يُبَالِي بِالضِّيقِ فِي مَعِيشَةِ الفُقَهَاءِ وَكَانَ يَقُولُ لِلطَّالِبِ يَكْتُبُ مَجْلِسَ الكُتُبِ، وَقَالَ يَوْمًا: مَنْ لَمْ يُبَالِ بِسُوءِ المَعَاشِ، وَكَانَ جَائِعًا، سَدَّ مَنِ العَلِم نَوْرًا قَوِيًّا فَدَخَلَ قَلْبَهُ آنَ.
§61.1
أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «إِنَّمَا غَلَبْتُ شُرَكَائِي بِأَنِّي لَا تَقَعُ لِي الفَتْرَةُ فِي التَّحْصِيلِ».
§61.2
وَكَانَ يَحْكِي عَنِ الشَّيْخِ الإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَانِ تَحْصِيلِهِ وَتَعَلُّمِهِ فَتْرَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً بِانْقِلَابِ المُلْكِ، فَخَرَجَ مَعَ شَرِيكِهِ فِي المُنَاظَرَةِ إِلَى حَيْثُ يُمْكِنُهُمَا الاسْتِمْرَارُ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَظَلَّا يَدْرُسَانِهِ مَعًا، وَلَمْ يَتْرُكَا الجُلُوسَ لِلْمُنَاظَرَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَصَارَ شَرِيكُهُ شَيْخَ الإِسْلَامِ لِلشَّافِعِيِّينَ وَكَانَ هُوَ شَافِعِيًّا.
§61.3
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ القَاضِي الإِمَامُ فَخْرُ الإِسْلَامِ قَاضِي خَانْ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْمُتَفَقِّهِ أَنْ يَحْفَظَ كِتَابًا وَاحِدًا مِنْ كُتُبِ الفِقْهِ دَائِمًا؛ فَيَتَيَسَّرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حِفْظُ مَا سَمِعَ مِنَ الفِقْهِ.
§62.1
ثُمَّ لَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنَ التَّوَكُّلِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَلَا يَهْتَمُّ لِأَمْرِ الرِّزْقِ وَلَا يَشْغَلُ قَلْبَهُ بِذَلِكَ.
§62.2
رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ الزُّبَيْدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللهِ كَفَى اللهُ تَعَالَى هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». فَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ قَلْبُهُ بِأَمْرِ الرِّزْقِ مِنَ القُوتِ وَالكِسْوَةِ قَلَّ مَا يَتَفَرَّغُ لِتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الأُمُورِ.
§62.3
قِيلَ:
دَعِ المَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا
وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي
§62.4
قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ مَنْصُورٍ الحَلَّاجِ: أَوْصِنِي. فَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ:
§63.1
هِيَ نَفْسُكَ، إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا شَغَلَتْكَ.
§63.2
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْغَلَ أَحَدٌ نَفْسَهُ بِأَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِأَمْرِ الخَيْرِ، حَتَّى لَا يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِأَمْرٍ بَاطِلٍ، وَلَا يَهْتَمَّ بِأَمْرِ المَعِيشَةِ لِأَنَّ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَهَا بِالقَلْبِ، وَالبَدَنِ مَعَ الفَسَادِ، وَلَا يُحَلَّى بِأَعْمَالِ الخَيْرِ، وَيُحَلَّى بِأَعْمَالِ الخَيْرِ، وَيَهُمَّ لِأَمْرِ الآخِرَةِ.
§63.3
لَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: «إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبًا لَا يُكَفِّرُهُ إِلَّا الهَمُّ بِطَلَبِ المَعِيشَةِ». فَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ هَمُّهُ المَعِيشَةَ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ هَمُّهُ أَمْرَ الآخِرَةِ، فَلَا قَدَرَ لَهُ. وَالسَّبَقُ الَّذِي يُحَلَّى بِأَحْسَنِ القَلْبِ فِي الصَّلَاةِ.
§63.4
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنْ تَقْلِيلِ العَلَائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلِهَذَا اخْتَارُوا الغُرْبَةَ. وَلَيْسَ مَعْنَى التَّوَكُّلِ الذَّمَّ بِالنَّسَبِ وَاللَّذَّةِ فِي طَلَبِ المَعِيشَةِ كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَخِيهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢].
§64.1
لِيُعْلَمَ أَنَّ سَفَرَ العِلْمِ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ العِلْمِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الغَزَاةِ عِنْدَ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ التَّعَبِ وَجَدَ لَذَّةَ العِلْمِ تَفُوقُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا.
§64.2
وَلِهَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ إِذَا سَهِرَ اللَّيَالِيَ وَانْحَلَّتْ لَهُ المُشْكِلَاتُ يَقُولُ: «أَيْنَ أَبْنَاءُ المُلُوكِ مِنْ هَذِهِ اللَّذَّاتِ؟».
§64.3
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ العِلْمِ وَلَا يُعْرِضَ عَنِ الفِقْهِ.
§64.4
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: «صِنَاعَتُنَا هَذِهِ مِنَ المَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ عِلْمَنَا هَذَا سَاعَةً فَلْيَتْرُكْهُ السَّاعَةَ».
§64.5
وَدَخَلَ فَقِيهٌ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الجَرَّاحِ، عَلَى أَبِي يُوسُفَ يَعُودُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: رَمْيُ الجِمَارِ رَاكِبًا أَفْضَلُ أَمْ رَاجِلًا؟ فَلَمْ يَعْرِفِ الجَوَابَ، فَأَجَابَ بِنَفْسِهِ.
§65.1
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ فَحِينَئِذٍ يَجِدُ لَذَّةً عَظِيمَةً فِي ذَلِكَ.
§65.2
وَقِيلَ: رُؤِيَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فِي المَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: «كَيْفَ كُنْتَ فِي حَالِ النَّزْعِ؟» فَقَالَ: «كُنْتُ مُتَأَمِّلًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ المُكَاتَبِ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِخُرُوجِ رُوحِي».
§65.3
وَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: «شَغَلَتْنِي مَسَائِلُ المُكَاتَبِ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِهَذَا اليَوْمِ»، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا.
§66.1
قِيلَ: وَقْتُ التَّعَلُّمِ مِنَ المَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ.
§66.2
دَخَلَ حَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي التَّفَقُّهِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَبِتْ عَلَى الفِرَاشِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَفْتَى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
§66.3
وَأَفْضَلُ الأَوْقَاتِ شَرْخُ الشَّبَابِ، وَوَقْتُ السَّحَرِ، وَمَا بَيْنَ العِشَاءَيْنِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، فَإِذَا مَلَّ مِنْ عِلْمٍ يَشْتَغِلُ بِعِلْمٍ آخَرَ.
§66.4
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِذَا مَلَّ مِنَ الكَلَامِ يَقُولُ: «هَاتُوا دِيوَانَ الشُّعَرَاءِ». وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ، وَكَانَ يَضَعُ عِنْدَهُ
§67.1
الدَّفَاتِرَ، وَكَانَ إِذَا مَلَّ مِنْ نَوْعٍ يَنْظُرُ فِي نَوْعٍ آخَرَ، وَكَانَ يَضَعُ عِنْدَهُ المَاءَ، وَيُزِيلُ نَوْمَهُ بِالمَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّوْمَ مِنَ الحَرَارَةِ».
§68.1
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ العِلْمِ مُشْفِقًا نَاصِحًا غَيْرَ حَاسِدٍ، فَالحَسَدُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
§68.2
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: قَالُوا: إِنَّ ابْنَ المُعَلِّمِ يَكُونُ عَالِمًا لِأَنَّ المُعَلِّمَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذُهُ فِي القُرْآنِ عَالِمًا فَبِبَرَكَةِ اعْتِقَادِهِ وَشَفَقَتِهِ يَكُونُ ابْنُهُ عَالِمًا.
§68.3
وَكَانَ أَبُو الحَسَنِ يَحْكِي أَنَّ الصَّدْرَ الأَجَلَّ بُرْهَانَ الأَئِمَّةِ جَعَلَ وَقْتَ السَّبَقِ لِابْنَيْهِ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ حُسَامِ الدِّينِ، وَالصَّدْرِ السَّعِيدِ تَاجِ الدِّينِ وَقْتَ الضَّحْوَةِ الكُبْرَى بَعْدَ جَمِيعِ الأَسْبَاقِ، وَكَانَا يَقُولَانِ: «إِنَّ طَبِيعَتَنَا تَكِلُّ وَتَمَلُّ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ».
§68.4
فَقَالَ أَبُوهُمَا رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ الغُرَبَاءَ وَأَوْلَادَ الكُبَرَاءِ يَأْتُونَنِي مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أُقَدِّمَ أَسْبَاقَهُمْ». فَبِبَرَكَةِ شَفَقَتِهِ فَاقَ ابْنَاهُ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَأَهْلِ الأَرْضِ فِي ذَلِكَ العَصْرِ.
§69.1
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَازِعَ أَحَدًا وَلَا يُخَاصِمَهُ لِأَنَّهُ يُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُ.
§69.2
قِيلَ: المُحْسِنُ سَيُجْزَى بِإِحْسَانِهِ، وَالمُسِيءُ سَتَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ.
§69.3
أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الإِمَامُ الزَّاهِدُ العَارِفُ رُكْنُ الإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المَعْرُوفُ بِإِمَامِ خَوَاهَرْزَادَهْ مُفْتِي الفَرِيقَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: أَنْشَدَنِي سُلْطَانُ الشَّرِيعَةِ يُوسُفُ الهَمْدَانِيُّ:
لَا تَجْزِ إِنْسَانًا عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ سَيَكْفِيهِ مَا فِيهِ وَمَا هُوَ فَاعِلُهُ
§69.4
قِيلَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْغِمَ أَنْفَ عَدُوِّهِ فَلْيَكْرُزْ. وَأُنْشِدْتُ هَذَا الشِّعْرَ:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا
وَتَقْتُلَهُ غَمًّا وَتَحْرِقَهُ هَمًّا
فَرُمْ لِلْعُلَى وَازْدَدْ مِنَ العِلْمِ إِنَّهُ
مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا زَادَ حَاسِدُهُ غَمًّا
§70.1
قِيلَ: عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَغِلَ بِمَصَالِحِ نَفْسِكَ لَا بِقَهْرِ عَدُوِّكَ، فَإِذَا أَقَمْتَ مَصَالِحَ نَفْسِكَ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَهْرَ عَدُوِّكَ. إِيَّاكَ وَالمُعَادَاةَ فَإِنَّهَا تَفْضَحُكَ وَتُضَيِّعُ أَوْقَاتَكَ، وَعَلَيْكَ بِالتَّحَمُّلِ لَا سِيَّمَا مِنَ السُّفَهَاءِ.
§70.2
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: «احْتَمِلُوا مِنَ السَّفِيهِ وَاحِدَةً كَيْ تَرْبَحُوا عَشْرًا».
§70.3
وَأُنْشِدْتُ لِبَعْضِهِمْ شِعْرًا:
بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
وَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِي
وَلَمْ أَرَ فِي الخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا
وَأَصْعَبَ مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الأَشْيَاءِ طُرًّا
وَمَا ذُقْتُ أَمَرَّ مِنَ السُّؤَالِ
§71.1
وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ بِالمُؤْمِنِ سُوءًا فَإِنَّهُ مَنْشَأُ العَدَاوَةِ وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «ظُنُّوا بِالمُؤْمِنِينَ خَيْرًا». وَإِنَّمَا يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنْ خُبْثِ النِّيَّةِ وَسُوءِ السَّرِيرَةِ.
§71.2
كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
إِذَا سَاءَ فِعْلُ المَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ
وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عُدَاتِهِ
وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
§71.3
وَأُنْشِدْتُ لِبَعْضِهِم:
تَنَحَّ عَنِ القَبِيحِ وَلَا تُرِدْهُ وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْنًا فَزِدْهُ
سَتُكْفَى مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كَيْدٍ إِذَا كَادَ العَدُوُّ فَلَا تَكِدْهُ
وَأُنْشِدْتُ لِلشَّيْخِ العَمِيدِ أَبِي الفَتْحِ البُسْتِيِّ:
§72.1
ذُو العَقْلِ لَا يَسْلَمُ مِنْ جَاهِلٍ يَسُومُهُ ظُلْمًا وَإِعْنَاتًا
فَلْيَخْتَرِ السِّلْمَ عَلَى حَرْبِهِ وَلْيَلْزَمِ الإِنْصَافَ إِنْ صَانَا
§72.2
[فَيَنْتَفِعُ بِهَذَا فِي الفَنِّ وَيَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِلْمِ، وَلْيَجْتَنِبِ النِّزَاعَ وَالخُصُومَةَ.]
§73.1
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَالِبُ العَالِمِ مُسْتَفِيدًا فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الفَضْلُ وَالكَمَالُ فِي العِلْمِ. وَطَرِيقُ الاسْتِفَادَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِحْبَرَةٌ حَتَّى يَكْتُبَ مَا يَسْمَعُ مِنَ الفَوَائِدِ العِلْمِيَّةِ.
§73.2
قِيلَ: مَنْ حَفِظَ فَرَّ، وَمَنْ كَتَبَ قَرَّ.
§73.3
وَقِيلَ: العِلْمُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَقُولُونَ أَحْسَنَ مَا يَحْفَظُونَ.
§73.4
وَسَمِعْتُ عَنِ الشَّيْخِ الإِمَامِ الأُسْتَاذِ زَيْنِ الإِسْلَامِ المَعْرُوفِ بِالأَدِيبِ المُخْتَارِ يَقُولُ: قَالَ هِلَالُ بْنُ زِيَادِ بْنِ يَسَارٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعِدْ لِي مَا قُلْتَ لَهُمْ، فَقَالَ لِي: «هَلْ مَعَكَ مِحْبَرَةٌ؟» فَقُلْتُ: مَا مَعِي مِحْبَرَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
§74.1
السَّلَامُ: «يَا هِلَالُ لَا تُفَارِقِ المِحْبَرَةَ لِأَنَّ الخَيْرَ فِيهَا وَفِي أَهْلِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
§74.2
وَوَصَّى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ ابْنَهُ شَمْسَ الدِّينِ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ، وَعَنْ قَرِيبٍ يَكُونُ كَثِيرًا.
§74.3
وَاشْتَرَى عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ قَلَمًا بِدِينَارٍ لِيَكْتُبَ مَا يَسْمَعُهُ فِي الحَالِ، فَالعُمُرُ قَصِيرٌ وَالعِلْمُ كَثِيرٌ.
§74.4
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُضَيِّعَ طَالِبُ العِلْمِ الأَوْقَاتَ وَالسَّاعَاتِ وَيَغْتَنِمَ اللَّيَالِيَ وَالخَلَوَاتِ.
§74.5
يُحْكَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّيْلُ طَوِيلٌ فَلَا تُقَصِّرْهُ بِمَنَامِكَ، وَالنَّهَارُ مُضِيءٌ فَلَا تُكَدِّرْهُ بِآثَامِكَ».
§74.6
وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ الشُّيُوخَ وَيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَاتَ يُدْرَكُ، كَمَا قَالَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي «مَشْيَخَتِهِ»: كَمْ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ أَدْرَكْتُهُ وَمَا اسْتَخْبَرْتُهُ.
§75.1
وَأَقُولُ عَلَى هَذَا الفَوْتِ مُنْشِئًا هَذَا البَيْتَ:
لَهْفًا عَلَى فَوْتِ التَّلَاقِي لَهْفًا مَا كُلُّ مَا فَاتَ وَيَفْنَى يُلْفَى
§75.2
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِذَا كُنْتَ فِي أَمْرٍ فَكُنْ فِيهِ، وَكَفَى بِالإِعْرَاضِ عَنْ عِلْمِ اللهِ خِزْيًا وَخَسَارًا، وَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا».
§75.3
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنْ تَحَمُّلِ المَشَقَّةِ وَالمَذَلَّةِ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَالتَّمَلُّقُ مَذْمُومٌ إِلَّا فِي طَلَبِ العِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّمَلُّقِ لِلْأُسْتَاذِ وَالشَّرِيكِ وَغَيْرِهِمْ لِلْاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ.
§75.4
قِيلَ: العِلْمُ عِزٌّ لَا ذُلَّ فِيهِ، لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِذُلٍّ لَا عِزَّ فِيهِ.
وَقَالَ القَائِلُ:
أَرَى لَكَ نَفْسًا تَشْتَهِي أَنْ تُعِزَّهَا
فَلَسْتَ تَنَالُ العِزَّ حَتَّى تُذِلَّهَا
§76.1
رَوَى بَعْضُهُمْ حَدِيثًا فِي هَذَا البَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَتَوَرَّعْ فِي تَعَلُّمِهِ ابْتَلَاهُ اللهُ تَعَالَى بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا أَنْ يُمِيتَهُ فِي شَبَابِهِ، أَوْ يُوقِعَهُ فِي الرَّسَاتِيقِ، أَوْ يَبْتَلِيَهُ بِخِدْمَةِ السُّلْطَانِ».
§76.2
فَكُلَّمَا كَانَ طَالِبُ العِلْمِ أَوْرَعَ كَانَ عِلْمُهُ أَنْفَعَ، وَالتَّعَلُّمُ لَهُ أَيْسَرَ، وَفَوَائِدُهُ أَكْثَرَ.
§76.3
وَمِنَ الوَرَعِ الكَامِلِ: أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنِ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ النَّوْمِ وَكَثْرَةِ الكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، وَأَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ أَكْلِ السُّوقِ إِنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّ طَعَامَ السُّوقِ أَقْرَبُ إِلَى النَّجَاسَةِ وَالخَبَاثَةِ، وَأَبْعَدُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَأَقْرَبُ إِلَى الغَفْلَةِ، وَلِأَنَّ أَبْصَارَ الفُقَرَاءِ تَقَعُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ، فَيَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ فَتَذْهَبُ بَرَكَتُهُ.
§77.1
وَحُكِيَ أَنَّ الإِمَامَ الجَلِيلَ مُحَمَّدَ بْنَ الفَضْلِ الجَلِيلِ كَانَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ السُّوقِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْكُنُ فِي الرَّسَاتِيقِ وَكَانَ يَبْعَثُ إِلَيْهِ كُلَّ أُسْبُوعٍ بِالطَّعَامِ.
§77.2
فَكَانَ جِيرَانُهُ مِنَ الفُقَهَاءِ يَشْتَرُونَ مِنَ الطَّعَامِ مِنَ السُّوقِ وَكَلَّمَهُ سَاعَةً عَلَى أَلَّا أَشْتَرِيَ مِنَ السُّوقِ. فَقَالَ: مُحَمَّدٌ صَاحِبُكَ كَانَ يَشْتَرِي مِنَ السُّوقِ. فَقَالَ: «إِنَّ صَاحِبِي كَانَ شَابًّا، وَلَكِنْ مَا كُنْتُ أَشْتَرِي مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنَّهُ يُحْضِرُهُ لِلتَّعَفُّفِ وَتَوَرُّعِهِ. فَكَانَ كَأَنَّ إِخْوَتَهُ يَطْلُبُونَ ذَلِكَ بِاسْمِهِ، لِفَضْلِهِ وَالنَّشْرِ».
§77.3
وَأَوْصَى فَقِيهٌ مِنَ الفُقَهَاءِ طَالِبَ العِلْمِ يَتَحَرَّزَ عَنِ الغَيْبَةِ وَمُجَالَسَةِ المُكْثَارِ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْ يُكْثِرُ الكَلَامَ يَسْرِقُ عُمُرَكَ وَيُضِيعُ أَوْقَاتَكَ.
§77.4
وَمِنَ الوَرَعِ أَيْضًا: أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ مُجَالَسَةِ المُفْسِدِ وَالعَاصِي وَالمُكْثَارِ، فَإِنَّ المُجَالَسَةَ مُؤَثِّرَةٌ، وَيَجْتَنِبُ مَجَالِسَ الفُسَّاقِ وَأَهْلِ البِدَعِ مُسْتَقْبِلًا قِبْلَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَجْتَنِبُ
§78.1
دَعْوَةَ أَهْلِ الخَيْرِ، وَيَتَحَرَّزُ عَنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِينَ.
§78.2
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي طَلَبِ العِلْمِ لِلْغُرْبَةِ وَكَانَا شَرِيكَيْنِ، فَرَجَعَا بَعْدَ سِنِينَ إِلَى بَلَدِهِمَا وَقَدْ فَقُهَ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَفْقَهِ الآخَرُ. فَتَأَمَّلَ فُقَهَاءُ البِلَادِ وَسَأَلُوا عَنْ حَالِهِمَا وَتَكْرَارِهِمَا وَجُلُوسِهِمَا، فَأَخْبَرُوا أَنَّ جُلُوسَ الَّذِي تَفَقَّهَ فِي حَالِ التَّكْرَارِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ، وَالمِصْرَ الَّذِي حَصَّلَ العِلْمَ فِيهِ، وَالآخَرُ كَانَ مُسْتَدْبِرًا القِبْلَةَ وَوَجْهَهُ إِلَى غَيْرِ المِصْرِ.
§78.3
فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ أَنَّ الفَقِيهَ فَقُهَ بِبَرَكَةِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ، إِذْ هُوَ السُّنَّةُ فِي الجُلُوسِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَبِبَرَكَةِ دُعَاءِ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّ المِصْرَ لَا يَخْلُو مِنَ العُبَّادِ وَأَهْلِ الخَيْرِ وَالزُّهْدِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَابِدًا دَعَا لَهُ فِي اللَّيْلِ.
§78.4
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ لَا يَتَهَاوَنَ بِالآدَابِ وَالسُّنَنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالأَدَبِ حُرِمَ السُّنَنَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالسُّنَنِ حُرِمَ الفَرَائِضَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالفَرَائِضِ حُرِمَ الآخِرَةَ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا بِهَذَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
§78.5
وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ، وَيُصَلِّيَ صَلَاةَ الخَاشِعِينَ، فَإِنَّ
§79.1
ذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ عَلَى التَّحْصِيلِ وَالتَّعَلُّمِ.
§79.2
وَأَنْشَدْتُ لِلشَّيْخِ الإِمَامِ الجَلِيلِ الزَّاهِدِ الحَجَّاجِ نَجْمِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيِّ شِعْرًا:
كُنْ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي حَافِظًا
وَعَلَى الصَّلَاةِ مُوَاظِبًا وَمُحَافِظًا
وَاطْلُبْ عُلُومَ الشَّرْعِ وَاجْهَدْ وَاسْتَعِنْ
بِالطَّيِّبَاتِ تَصِرْ فَقِيهًا حَافِظًا
وَاسْأَلْ إِلَهَكَ حِفْظَ حِفْظِكَ رَاغِبًا
مِنْ فَضْلِهِ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا
§79.3
وَقَالَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ:
أَطِيعُوا وَجِدُّوا وَلَا تَكْسَلُوا وَأَنْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
وَلَا تَهْجَعُوا فَخِيَارُ الوَرَى قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
§79.4
وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَصْحِبَ دَفْتَرًا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِيُطَالِعَهُ. وَقِيلَ:
§80.1
مَنْ لَمْ يَكُنِ الدَّفْتَرُ فِي كُمِّهِ لَمْ تَثْبُتِ الحِكْمَةُ فِي قَلْبِهِ.
§80.2
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الدَّفْتَرِ بَيَاضٌ وَيَسْتَصْحِبَ المِحْبَرَةَ لِيَكْتُبَ مَا يَسْمَعُ مِنَ العُلَمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ هِلَالِ بْنِ يَسَارٍ.
§81.1
وَأَقْوَى أَسْبَابِ الحِفْظِ: الجِدُّ وَالمُوَاظَبَةُ، وَتَقْلِيلُ الغِذَاءِ، وَصَلَاةُ اللَّيْلِ، وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ مِنْ أَسْبَابِ الحِفْظِ.
§81.2
قِيلَ: لَيْسَ شَيْءٌ أَزْيَدَ لِلْحِفْظِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ نَظَرًا، وَالقِرَاءَةُ نَظَرًا أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَعْظَمُ أَعْمَالِ أُمَّتِي قِرَاءَةُ القُرْآنِ نَظَرًا». وَرَأَى شَدَّادُ بْنُ حَكِيمٍ بَعْضَ إِخْوَانِهِ فِي المَنَامِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: «أَيُّ شَيْءٍ وَجَدْتَهُ أَنْفَعَ؟» قَالَ: «قِرَاءَةُ القُرْآنِ نَظَرًا».
§81.3
وَيَقُولُ عِنْدَ رَفْعِ الكِتَابِ: «بِسْمِ اللهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ العَزِيزِ العَلِيمِ، عَدَدَ كُلِّ حَرْفٍ كُتِبَ وَيُكْتَبُ أَبَدَ الآبِدِينَ
§82.1
وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ». وَيَقُولُ بَعْدَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ: «آمَنْتُ بِاللهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ الحَقِّ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَكَفَرْتُ بِمَا سِوَاهُ». وَيُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ ذِكْرَهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ.
§82.2
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي
فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي
فَإِنَّ الحِفْظَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ
وَفَضْلُ اللهِ لَا يُعْطَى لِعَاصِي
§82.3
وَالسِّوَاكُ، وَشُرْبُ العَسَلِ، وَأَكْلُ الكُنْدُرِ مَعَ السُّكَّرِ، وَأَكْلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ زَبِيبَةً حَمْرَاءَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ يُورِثُ الحِفْظَ، وَيَشْفِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرَاضِ وَالأَسْقَامِ، وَكُلُّ مَا يُقَلِّلُ البَلْغَمَ وَالرُّطُوبَاتِ يَزِيدُ فِي الحِفْظِ، وَكُلُّ مَا يَزِيدُ فِي البَلْغَمِ يُورِثُ النِّسْيَانَ.
§83.1
وَأَمَّا مَا يُورِثُ النِّسْيَانَ فَهُوَ: المَعَاصِي، وَكَثْرَةُ الذُّنُوبِ، وَالهُمُومُ وَالأَحْزَانُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكَثْرَةُ الاشْتِغَالِ وَالعَلَائِقِ.
§83.2
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَهْتَمَّ لِأَمْرِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَهُمُومُ الدُّنْيَا لَا تَخْلُو عَنِ الظُّلْمَةِ فِي القَلْبِ، وَهُمُومُ الآخِرَةِ لَا تَخْلُو عَنِ النُّورِ فِي القَلْبِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَمُّ الدُّنْيَا يَمْنَعُهُ مِنَ الخَيْرَاتِ، وَهَمُّ الآخِرَةِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، وَالاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الخُشُوعِ وَتَحْصِيلِ العِلْمِ يَنْفِي الهَمَّ وَالحَزَنَ.
§83.3
كَمَا قَالَ الشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ الحَسَنِ المَرْغِينَانِيُّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
اسْتَعِنْ نَصْرَ بْنَ الحَسَنْ فِي كُلِّ عِلْمٍ يُخْتَزَنْ
ذَاكَ الَّذِي يَنْفِي الحَزَنْ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ لَا يُؤْتَمَنْ
§83.4
وَالشَّيْخُ الإِمَامُ الأَجَلُّ نَجْمُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الحَسَنِ المَرْغِينَانِيُّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ:
سَلَامٌ عَلَى مَنْ تَيَّمَتْنِي بِظُرْفِهَا
لُمْعَةُ خَدِّهَا وَلَمْحَةُ طَرْفِهَا
§84.1
سَبَتْنِي وَأَصْبَتْنِي فَتَاةٌ مَلِيحَةٌ
تَحَيَّرَتِ الأَوْهَامُ فِي كُنْهِ وَصْفِهَا
فَقُلْتُ: ذَرِينِي وَاعْذِرِينِي فَإِنَّنِي
شَغَفْتُ بِتَحْصِيلِ العُلُومِ وَكَشْفِهَا
وَلِي فِي طِلَابِ الفَضْلِ وَالعِلْمِ وَالتُّقَى
غَنًى عَنْ غِنَاءِ الغَانِيَاتِ وَعُرْفِهَا
§84.2
وَأَمَّا أَسْبَابُ نِسْيَانِ العِلْمِ:
فَأَكْلُ الكُزْبَرَةِ الرَّطْبَةِ، وَالتُّفَّاحِ الحَامِضِ، وَالنَّظَرُ إِلَى المَصْلُوبِ، وَقِرَاءَةُ الخَطِّ المَكْتُوبِ عَلَى حِجَارَةِ القُبُورِ، وَالمُرُورُ بَيْنَ قِطَارِ الجِمَالِ، وَإِلْقَاءُ القَمْلِ الحَيِّ عَلَى الأَرْضِ، وَالحِجَامَةُ عَلَى نُقْرَةِ القَفَا، كُلُّهَا يُورِثُ النِّسْيَانَ.
§85.1
ثُمَّ لَا بُدَّ لِطَالِبِ العِلْمِ مِنَ القُوَّةِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَزِيدُ فِيهِ وَمَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ وَالصِّحَّةِ لِيَتَفَرَّغَ فِي طَلَبِ العِلْمِ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ صَنَّفُوا كُتُبًا، فَأَوْرَدْتُ بَعْضَهَا هُنَا عَلَى سَبِيلِ الاخْتِصَارِ.
§85.2
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يُرَدُّ القَدَرُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ مِنَ الرِّزْقِ بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ».
§85.3
ثَبَتَ بِهَذَا الحَدِيثِ أَنَّ ارْتِكَابَ الذَّنْبِ سَبَبُ حِرْمَانِ الرِّزْقِ، خُصُوصًا الكَذِبَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الفَقْرَ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ خَاصٌّ، وَكَذَا نَوْمُ الصُّبْحَةِ يَمْنَعُ الرِّزْقَ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ تُورِثُ الفَقْرَ، وَفَقْرَ العِلْمِ أَيْضًا. قَالَ القَائِلُ شِعْرًا:
سُرُورُ النَّاسِ فِي لُبْسِ اللِّبَاسِ
وَجَمْعُ العِلْمِ فِي تَرْكِ النُّعَاسِ
§86.1
وَقَالَ:
أَلَيْسَ مِنَ الحُزْنِ أَنَّ لَيَالِيًا تَمُرُّ بِلَا نَفْعٍ وَتُخْسَرُ مِنْ عُمُرٍ
وَقَالَ أَيْضًا:
قُمِ اللَّيْلَ يَا هَذَا لَعَلَّكَ تُرْشَدُ إِلَى كَمْ تَنَامُ اللَّيْلَ وَالعُمُرُ يَنْفُدُ
§86.2
وَالنَّوْمُ عُرْيَانًا، وَالبَوْلُ عُرْيَانًا، وَالأَكْلُ جُنُبًا، وَالأَكْلُ مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبٍ، وَالتَّهَاوُنُ بِسُقُوطِ المَائِدَةِ، وَحَرْقُ قِشْرِ البَصَلِ وَالثُّومِ، وَكَنْسُ البَيْتِ فِي اللَّيْلِ بِالمِنْدِيلِ، وَتَرْكُ القُمَامَةِ فِي البَيْتِ، وَالمَشْيُ قُدَّامَ المَشَايِخِ، وَنِدَاءُ الوَالِدَيْنِ بِاسْمِهِمَا، وَالخِلَالُ بِكُلِّ خَشْبَةٍ، وَغَسْلُ اليَدَيْنِ بِالطِّينِ وَالتُّرَابِ،
§86.3
وَالجُلُوسُ عَلَى العَتَبَةِ، وَالاتِّكَاءُ عَلَى أَحَدِ زَوْجَيِ البَابِ، وَالتَّوَضُّؤُ فِي المَبْرَزِ، وَخِيَاطَةُ الثَّوْبِ عَلَى بَدَنِهِ، وَتَجْفِيفُ الوَجْهِ بِالثَّوْبِ، وَتَرْكُ العَنْكَبُوتِ فِي البَيْتِ، وَالتَّهَاوُنُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِسْرَاعُ الخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَالابْتِكَارُ بِالذَّهَابِ إِلَى السُّوقِ، وَالإِبْطَاءُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهُ، وَشِرَاءُ كِسْرَاتِ الخُبْزِ مِنَ
§86.4
الفُقَرَاءِ، وَالسُّؤَالُ، وَدُعَاءُ الشَّرِّ عَلَى الوَالِدِ، وَتَرْكُ تَخْمِيرِ الأَوَانِي وَإِطْفَاءُ السِّرَاجِ بِالنَّفَسِ؛ كُلُّ ذَلِكَ يُورِثُ الفَقْرَ، عُرِفَ ذَلِكَ بِالآثَارِ.
§87.1
وَكَذَا الكِتَابَةُ بِالقَلَمِ المَعْقُودِ، وَالامْتِشَاطُ بِالمُشْطِ المُنْكَسِرِ، وَتَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَمُّمُ قَاعِدًا، وَالتَّسَرْوُلُ قَائِمًا، وَالبُخْلُ، وَالتَّقْتِيرُ، وَالإِسْرَافُ، وَالكَسَلُ وَالتَّوَانِي وَالتَّهَاوُنُ فِي الأُمُورِ.
§87.2
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ». وَالبُكُورُ مُبَارَكٌ يَزِيدُ فِي جَمِيعِ النِّعَمِ خُصُوصًا فِي الرِّزْقِ.
§87.3
وَحُسْنُ الخُلُقِ مِنْ مَفَاتِيحِ الرِّزْقِ، وَبَسْطُ الوَجْهِ وَطِيبُ الكَلَامِ يَزِيدُ فِي الحِفْظِ وَالرِّزْقِ. وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: كَنْسُ الفِنَاءِ وَغَسْلُ الإِنَاءِ مَجْلَبَةٌ لِلْغِنَى.
§87.4
وَأَقْوَى الأَسْبَابِ الجَاذِبَةِ لِلرِّزْقِ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ بِالتَّعْظِيمِ وَالخُشُوعِ، وَتَعْدِيلُ الأَرْكَانِ وَسَائِرِ وَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا،
§88.1
وَصَلَاةُ الضُّحَى فِي ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ، وَقِرَاءَةُ سُورَةِ الوَاقِعَةِ خُصُوصًا فِي اللَّيْلِ وَقْتَ النَّوْمِ، وَقِرَاءَةُ المُلْكِ، وَالمُزَّمِّلِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ، وَحُضُورُ المَسْجِدِ قَبْلَ الأَذَانِ، وَالمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَأَدَاءُ سُنَّةِ الفَجْرِ وَالوِتْرِ فِي البَيْتِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ الدُّنْيَا بَعْدَ الوِتْرِ وَلَا يُكْثِرَ مُجَالَسَةَ النِّسَاءِ إِلَّا عِنْدَ الحَاجَةِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ لَغْوٍ.
§88.2
وَقِيلَ: مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ فَاتَهُ مَا يَعْنِيهِ. قَالَ بُزُرْجَمِهْرَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُكْثِرُ الكَلَامَ فَاسْتَيْقِنْ بِجُنُونِهِ.
§88.3
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِذَا تَمَّ العَقْلُ نَقَصَ الكَلَامُ. قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: وَاتَّفَقَ لِي فِي هَذَا المَعْنَى شِعْرًا:
إِذَا تَمَّ عَقْلُ المَرْءِ قَلَّ كَلَامُهُ وَأَيْقِنْ بِحُمْقِ المَرْءِ إِنْ كَانَ مُكْثِرًا
النُّطْقُ زَيْنٌ وَالسُّكُوتُ سَلَامَةٌ فَإِذَا نَطَقْتَ فَلَا تَكُونَنْ مُكْثِرًا
§89.1
مَا نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتٍ مَرَّةً وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى الكَلَامِ مِرَارًا
§89.2
أَمَّا مَا يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ: أَنْ يَقُولَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ انْشِقَاقِ الفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ: «سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» مِائَةَ مَرَّةٍ، وَأَنْ يَقُولَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ» كُلَّ يَوْمٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً مِائَةَ مَرَّةٍ.
§89.3
وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ كُلَّ يَوْمٍ: «الحَمْدُ لِلهِ وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَبَعْدَ صَلَاةِ المَغْرِبِ أَيْضًا، وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى سَبْعِينَ مَرَّةً بَعْدَ صَلَاةِ الفَجْرِ، وَيُكْثِرُ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ»، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
§89.4
وَيَقُولُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً: «اللَّهُمَّ أَغْنِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَاكْفِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ».
§90.1
وَيَقُولُ كُلَّ غَدَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: «أَنْتَ اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، أَنْتَ اللهُ القُدُّوسُ، أَنْتَ اللهُ الحَكِيمُ الكَرِيمُ، أَنْتَ اللهُ خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، أَنْتَ اللهُ خَالِقُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَنْتَ اللهُ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ اللهُ المَلِكُ المُتَعَالِ، أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، أَنْتَ اللهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْتَ اللهُ القَاهِرُ الجَبَّارُ الجَلِيلُ، أَنْتَ اللهُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ المَلِكُ القُدُّوسُ، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.
§90.2
اللَّهُمَّ بِرِزْقِكَ الوَاسِعِ، وَتَوْفِيقِكَ الشَّيْخِيِّ، وَرَحْمَتِكَ الوَاسِعَةِ، وَكَرَمِكَ الَّذِي لَا يَنْفَدُ وَنُحْسِنُ ضَيِّفًا. سُبْحَانَ اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، وَالحَمْدُ لِلهِ مِثْلُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِثْلُهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ مِثْلُهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، رَبِّ العَرْشِ.
§91.1
وَأَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ قَطْعِ الأَشْجَارِ الرَّطْبَةِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ، وَالصَّلَاةُ بِالتَّعْظِيمِ، وَالقُرْآنُ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَحِفْظُ الصِّحَّةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الطِّبِّ، وَيَتَبَرَّكَ بِالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي الطِّبِّ الَّتِي جَمَعَهَا الإِمَامُ أَبُو العَبَّاسِ المُسْتَغْفِرِيُّ فِي كِتَابِهِ المُسَمَّى: «بِطِبِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ»، يَجِدُهُ مَنْ يَطْلُبُهُ، فَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ.
§91.2
وَالحَمْدُ لِلهِ عَلَى التَّمَامِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الرُّسُلِ الكِرَامِ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ، عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَتَعَاقُبِ الأَيَّامِ، آمِينَ.
§91.3
تَمَّ الكِتَابُ المُبَارَكُ المُسَمَّى:
بِتَعْلِيمِ المُتَعَلِّمِ
يَا اللهُ يَا مُيَسِّرُ بِالعَمَلِ بِمَا فِيهِ
فِي وَقْتِ الضُّحَى فِي مَدْرَسَةِ سَرَايْ فِي بَلْدَةِ قَيْصَرِيَّةَ سَنَةَ ١١٥١.
Pagination preserved from the printed Khartoum edition (1425 AH / 2004 CE).
Reader Edition built for the Talim and Mutalim project.